الارشيف / ثقافة وفن / هسبريس

الفيلم السينمائي "روما" .. هكذا أعد ألفونسو كوارون صلصة الإخراج

  • 1/4
  • 2/4
  • 3/4
  • 4/4

محمد بنعزيز

الجمعة 31 ماي 2019 - 02:45

بلاط فيه مربعات، ماء يسيل يتزايد يتسخ تظهر رغوة تجفف، ثم نرى جسدا يكدح في لقطة مشهد طويلة تمد 320 ثانية. تمتد اللقطة الافتتاحية من أكثر من خمس دقائق، تكون فيها الكاميرا ثابتة والحدث يتوالى أمامها. تقوم كاميرا كوران بحركة بان 460 درجة في الدقيقة الـ18 وما بعدها، تعيد نفس الدائرة ديكور داخلي في الطابق العلوي والطابق السفلي. تدور البطلة لتطفئ المصابيح. لا يجري شيء درامي في اللقطة، لكن تغير الضوء يخبر بمرور الزمن. تكمل الكاميرا الدائرة وتعيد نصفها.

لم يحصل المخرج على هذه اللقطات بالارتجال؛ بل بالتأمل والبحث والتجريب وإعادة التصوير. يمنح التخطيط العمل الفني بنية لا تظهر؛ ولكن المتفرج يجد الخيط الناظم للقطات. تسهل وحدة المكان هذا النظم. يمكن وعي المكان من تنظيم الحقل الإدراكي.

تمتد وحدة الكادر من غسل البلاط، فلعب الأطفال، حتى ركن السيارة وخروجها وتنظيف البلاط. هنا يجري الثلث الأول من الفيلم. مشهد حضره المخرج ليسهل عمله. فمن هو المخرج وما عمله؟.

e18491ca9b.jpg

"يقوم الإخراج بتنسيق وضبط إيقاع الأنظمة المشهدية المختلفة بكاملها، والانتقال من فعل إلى آخر" باتريس بافي معجم المسرح ص 205 يتم الانتقال من فعل إلى آخر في نفس المكان. في لقطة موالية تسير كاميرا محمولة في نفس الخط مع ما تصوره في خطين متوازيين. في لقطة أخرى كاميرا ثابتة وموضوعها يقترب أو يبتعد منها، وهذا بديل لكاميرا تقليدية ثابتة قبالة موضوعها، كما يكون موقع عين المتفرج ثابتا أمام خشبة المسرح.

في المسرح هناك نقطة مرجعية واحدة هي كرسي المتفرج. في السينما تتنقل الكاميرا وهي عين المتفرج. تقترب تبتعد كما في الدقيقة الـ26 من الفيلم، حين يقترب الرجل من عين المرأة التي تراقبه. هكذا، تتبنى الكاميرا نسبية أنشتاين في حركية الأجسام. واضح من تغير موقع الكاميرا وتغير المسافة الفاصلة بين الكاميرا وبين جسد الممثل أن المخرج مشغول بسؤال: أين ستكون الكاميرا لتوفر معلومات أكثر وتولد أحاسيس أعمق؟

تسهل وحدة المكان وبساطة الديكور مسار الكاميرا. فضاء يدخله الضوء من جهات متعددة. تُركن السيارة في نفس المكان في أزمنة مختلفة، وتعكس الصعوبات تغير مزاج السائق. حين يعرف المتفرج المكان تلعب الكاميرا كما يريد المخرج مهندس إذن. لذلك، اشتكى بيتر بروك، الذي كان يحضر مسرحياته كأفلام، "من أن الناس يتصورون المخرج وكأنه مصمم ديكورات منازل". ويذكر ديكور الشقة وإضاءتها بلوحات الرسام الدنماركي فليهم هامرشوي.

في الهندسة والإخراج، لا يترك كوارون شيئا للصدفة، ومع التحضير والتجريب يمكن اكتشاف أشياء جديدة متولدة عن التحضير. حين تقع اكتشافات وتغييرات أثناء التصوير فإن ذلك يتم ضمن برنامج وليس بفضل الحظ والخواء. لم يكتشف نيوتن سبب سقوط التفاحة بالصدفة. بحثا عن تلك الاكتشافات صور كوبريك "عيون مغلقة على اتساعها" في عام 1990، ليوصل الزوجين إلى الصدام الذي لا مصالحة بعده. بينما توقف تصوير الكثير من أفلام أورسن ويلز لأنه أطال مدة التصوير بحثا عن الاكتشاف؛ لكن لم تكفه الميزانية. لم يملك ويلز مهارات كوبريك التسويقية.

للحصول على هذه النتائج بصدد اللقطة المشهد التي توهم بالواقعية ووحدة المكان وحركة جسد الممثل وموقع الكاميرا، يجب تعلم الإخراج بالتدرب عليه، و"لا يمكن تعليم السباحة فوق سجادة منقوش عليها بحر وهمي"، هكذا يقول المخرج البولندي هبنر الذي يعرف الإخراج كطبخة أكثر مما يعرفه كهندسة معمارية. يقول إن "المخرج ما هو إلا إنسان يعد الصلصة للسمك. وسيجيء الوقت عندما ستصبح فيه "الصلصة" أهم من السمكة نفسها" - زيجمونت هبنر Hubnera Zygmunta "جماليات فن الإخراج" ترجمة عبد الفتاح الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1993 - كتب هذا الكلام في منصف القرن التاسع عشر، وصار حقيقة في بداية القرن العشرين، في المسرح كما في السينما. فمن هو صانع الصلصة الماهر؟ أجاب هبنر عن السؤال في كتابه بينما يجيب هذا المقال عن كيف صنع المخرج كوران صلصة فيلم "روما"؟

df4dda174b.jpg

بالنسبة إلى المخرج فاللقطة المشهد التي لا تخضع للمونتاج أهم مما يجري في الكادر. يركز كوران على موقع الكاميرا التي تمثل عين من ينظر، لتقديم اللقطة المشهد نادرا ما يكون الممثل في مقدمة الكادر، يكون جسد الممثل بعيدا عن الكاميرا لكي لا تزعج حركته عين المتفرج، يساعد الأبيض والأسود المتفرج على التركيز. ودائما هناك وضوح من يَرى ومن يُرى كما في اللقطة المشهد الدقيقة الـ86. حينها، تهان البطلة فتظهر تمسح الطاولة الزجاجية وتمسح وجهها أيضا. هنا استعارة وجسد يكدح طيلة الوقت. هنا البحث عن العمق في التأني، وهذا تم التحضير له في السيناريو المبني على قصة قابلة للعرض البصري. يستشهد هبنر بقول كوبريك بأن الإخراج ما هو "إلا استمرار وتواصل لعمل الكاتب الذي يثريه المخرج". كيف يثريه؟ بالتفسير. أخرج أي فسّر أي أفهم للمتلقي ما كان مجهولا غامضا أو ملتبسا. موسوعة لالاند الفلسفية ص 394.

في فيلم أورسن ويلز "المواطن كين" 1941 يرفض المخرج اجترار المعلومات الخام التي نشرتها الصحف، ويريد أن يفسر فيلمه شخصية كين انطلاقا من معجمها، من آخر كلمة تفوه بها كين قبل موته. يتجلى التفسير في فيلم "روما" في تصوير شاعري للحياة اليومية بحيث تصير قابلة للتحمل.

لقد تحوّل تنظيف البهو وتكرار إيقاظ طفل وإفطاره وركوب السيارة والوصول والعودة وركن السيارة إلى سلوك يومي مكرر مفهوم لا يحتاج شرحا، وهذا يحرر الكاميرا والصورة من الثرثرة التي تسممها. التكرار هو الشقاء بعينه؛ لكن هذا الشقاء الذي حدث في الماضي يصير مثيرا للحنين، ماضي الجلوس أمام التلفزة والقبلة في قاعة سينما. يعي الناس بأن الماضي هو الزمن الذهبي بينما الزمن الحاضر سيء. يعزز التصوير بالأبيض والأسود الإحساس بالتقادم، وهذا يغذي الحنين.

ff37837158.jpg

يحضر زمن تاريخي واحتجاجات تعلن أين ومتى، الاحتجاج علامة كرامة واعتزاز. وطبعا تحضر لحظة ميلاد طفل لتبرر تحمل كل شقاء تكرار اليومي. أما الإحساس بفقدان طفل فهذا يزعزع كيان البشر لذا فإن اللقطات الموالية للحدث عرض لفضاءات خالية صامتة يقطعها نباح. ثم تأتي لحظة المقارنة بين مصير أولاد الأغنياء ومصير أبناء الكادحين.

هكذا، يستثمر المخرج في وحدة المكان وشاعرية اليوم وعامل الزمن؛ لأن مشاعر الحنين أكثر ثراء من مشاعر الحاضر، وهذا بعيدا عن إيقاع الحياة المعاصرة، بعيدا عن ضجيج الهواتف المحمولة. وكلما انتشرت أفلام العنف والإيقاع السريع والمؤثرات البصرية والصوتية حن نقاد ومنظرو السينما إلى هذا النوع من الأفلام التي نادرا ما تصمد في القاعات السينمائية. هذا إن عرضت فيها؛ لأن الأفلام التي تحصل على جائزة الإخراج غالبا ما تكون مملة للجمهور العادي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا